أبو الليث السمرقندي
164
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
والقضاء . ويقال : أشططت إذا جرت وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ يعني : أرشدنا إلى أعدل الطريق . قوله عز وجل : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها يعني : أعطني هذه النعجة . وهذا قول الكلبي ومقاتل . وقال القتبي أَكْفِلْنِيها يعني : ضمها إليّ ، واجعلني كافلها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ يعني : غلبني في الكلام قالَ داود لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ أي : مع نعاجه وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ يعني : من الإخوان والشركاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يعني : ليظلم بعضهم بعضا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم لا يظلمون وَقَلِيلٌ ما هُمْ يعني : قليل منهم الذين لا يظلمون . فلما قضى بينهما داود - عليه السلام - أحب أن يعرفهما ، فصعد إلى السماء حيال وجهه وَظَنَّ داوُدُ يعني : علم داود . ويقال : ظن بمعنى أيقن . إلا أنه ليس بيقين عيانا ، لأن العيان لا يقال فيه إلا العلم . أَنَّما فَتَنَّاهُ يعني : ابتليناه ، واختبرناه . ويقال : إنهما ضحكا ، وذهبا . فعلم داود أن اللّه عز وجل ابتلاه بذلك . وروي عن أبي عمرو في بعض الروايات أنه قرأ أَنَّما فَتَنَّاهُ بالتخفيف ، ومعناه ظن أن الملكين اختبراه ، وامتحناه في الحكم وقراءة العامة فَتَنَّاهُ بالتشديد يعني : أن اللّه عز وجل قد اختبره ، وامتحنه بالملكين فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ يعني : وَخَرَّ وقع راكعا ساجدا وَأَنابَ يعني : أقبل إلى طاعة اللّه تعالى بالتوبة . وروى عطاء بن السائب ، عن أبي عبد اللّه الجبلي قال : إن داود لم يرفع رأسه إلى السماء ، مذ أصاب الخطيئة حتى مات . وذكر في الخبر أن داود كان له تسع وتسعون امرأة ، فتزوج امرأة أوريا على شرط أن يكون ولدها خليفة بعده ، فولد له منها سليمان ، وكان خليفته بعده . يقول اللّه عز وجل : فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ يعني : ذنبه وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى لقربه وَحُسْنَ مَآبٍ أي : المرجع في الآخرة . وروي أن كاتبا كان يكتب قوله تعالى : وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ وكان تحت شجرة ، فقرأها ، وكتبها ، فخرت الشجرة ساجدة للّه تعالى ، وهي تقول : اللهم اغفر بها ذنبا ، وخرت الدواة ساجدة كذلك ، وهي تقول اللهم : احطط عني بها وزرا . وكذلك الصحيفة التي في يده ، وهي تقول : اللهم أحدث مني بها شكرا . وعن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه رأيتني الليلة ، وأنا نائم ، كأني أصلي خلف الشجرة ، فقرأت السجدة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي ، فسمعتها وهي تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا ، وضع عني بها وزرا ، واجعلها لي عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود . قال ابن عباس فقرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم آية سجدة ، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة . وأيضا سئل ابن عباس عن سجدة ص من أين سجدت . قال : أما تقرأ هذه الآية : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ ، ثم قال : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به ، فسجدها داود ، فسجدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اقتداء به .